تعثّر الدولار الملك يدفع أسعار السلع نحو الارتفاع

الأحد 17 مارس 2019
أولي هانسن

بقلم: أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

شهدت أسعار السلع العالمية عودة تدريجية الأسبوع الماضي نتيجة لفشل الدولار في التمسّك بمكاسبه الأخيرة، وساهم ارتفاع أسواق الأسهم في زيادة الرغبة بالمخاطرة. وجاء ضعف الدولار جرّاء الجنيه البريطاني الذي اتجه نحو أفضل أسابيعه منذ يناير بعد أسبوع من النقاشات المحتدمة في مجلس العموم البريطاني حول مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، تمكّن اليورو من الصعود والعودة إلى النطاق الذي تربّع فيه لأكثر من ستة أشهر.

وشهدت السلع مكاسباً واسعة في وقت خفّضت فيه صناديق التحوّط من رهاناتها على ارتفاع الأسعار في 24 سلعة رئيسية إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات. ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى النظرة السلبية السائدة تجاه السلع الزراعية. وأشار أحدث تقارير "التزامات التجار" الذي يغطي مراكز المضاربة إلى احتفاظ صناديق التحوّط بصافي صفقات البيع على المكشوف ضمن 12 من أصل 14 سلعة زراعية رئيسية. وفي الطرف الآخر، يقود النفط الخام قطاع الطاقة الذي ما زال الأكثر تفضيلاً، يليه قطاع المعادن.

وشهد قطاع الطاقة تداولات مرتفعة وصلت فيها أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى أعلى مستوياتها في أربعة أشهر، تلاه السعي نحو جني الأرباح قبل مستويات الدعم الفني والنفسي الرئيسية. وما زالت أسعار النفط مدعومة بقلّة العرض الناجمة عن قرارات طوعية (من المملكة العربية السعودية) أو لأسباب قسريّة (إيران وفنزويلا). وبقيت المخاوف إزاء النمو والطلب المستقبلي على النفط الخام على حالها في هذه المرحلة، حيث استجابت السوق بدلاً من ذلك للتشديد المستمر في العرض.

وكان قطاع الثروة الحيوانية الأفضل من حيث الأداء، حيث ارتفعت أسعار لحم الخنزير في شيكاغو لأكثر من 10% نتيجة لازدياد قوة الشراء من الصين التي تعتبر أكبر مستهلك في العالم. لكن أدى تفشّي حمّى الخنازير الأفريقية إلى تراجع عدد رؤوس القطعان في الصين بنسبة 15% خلال العام الماضي، مما أجبر الدولة آنذاك للتحول إلى مستورد نشط لهذا النوع من اللحوم.

وارتفعت تداولات المعادن الصناعية وعلى رأسها الزنك والبالاديوم وسط استمرار المخاوف بشأن تقلّص حجم العرض. وتراوحت أسعار أونصة الذهب حول 1300 دولار أمريكي، حيث بدت الحيرة على التجار في أعقاب الأحداث الأخيرة شديدة التقلّب. وتبقى النظرة المستقبلية قصيرة الأجل غامضة جراء الشكوك التي تحوم حول التوجّهات المتباينة للدوافع الرئيسية مثل الأسهم (المرتفعة) والدولار (الضعيف).

واستندت مكاسب القطاع الزراعي إلى تغطية مراكز التداولات القصيرة، لا سيما في الحبوب التي برزت مجدداً كقطاع السلع الأكثر قصوراً بعد أسابيع من البيع. وقفز صافي صفقات البيع على المكشوف في فول الصويا والذرة والقمح بنسبة 50% في أحدث تقارير "التزامات التجار"، ووصل إلى أعلى مستوياته في 13 شهراً - والأعلى له في مثل هذا الوقت من العام منذ 2016.

وارتفعت أسعار النفط الخام، وبلغت أعلى مستوياتها في أربعة أشهر بالنسبة لخام برنت وغرب تكساس الوسيط، في عملية استردّا بها نصف الخسائر التي تكبّدتها في الفترة بين أكتوبر وديسمبر. وتضاءل حجم الفرق بين سعري خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط رداً على تباطؤ نمو الإنتاج الأمريكي والانخفاض المفاجئ في مخزونات الخام الأمريكية.

وللشهر الخامس على التوالي، أشارت التقارير الشهرية التي تصدر عن ثلاث جهات توقّع رئيسية: ’أوبك‘ و’إدارة معلومات الطاقة الأمريكية‘ و’الوكالة الدولية للطاقة‘، إلى تقارب معدلات نموّ الطلب العالمي دون أي تغيير للشهر الخامس على التوالي. وفيما يبدو الطلب بعيد التأثر - حتى الآن - جرّاء ضعف النمو العالمي، اتجه تركيز السوق نحو تخفيض الإنتاج لدعم الأسعار من مجموعة دول ’أوبك بلس‘. وعلاوة على ذلك، أدى الانخفاض القسريّ للإنتاج بمعدل 1.6 مليون برميل يومياً من فنزويلا وإيران خلال العام الماضي إلى توفير طبقة دعم إضافية.

وباتت مهلة الأشهر الستة التي منحتها الولايات المتحدة الأمريكية لمشتري النفط الإيراني في نوفمبر الماضي قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء، مما يثير جملة من الأسئلة حول ما سيحدث بعد ذلك. وإلى جانب الكويت والإمارات العربية المتحدة، رفعت المملكة العربية السعودية حجم إنتاجها بمعدل 0.8 مليون برميل يومياً في نوفمبر اعتقاداً منها بقدرة العقوبات الأمريكية على تحقيق تراجع كبير في قدرة إيران على التصدير. وبدلاً من ذلك، فقدت تلك الدول توازنها جرّاء التنازلات الأمريكية وبدأت عملية تخفيض صارمة لإيقاف هبوط الأسعار؛ وأدى ذلك إلى خلوّ السوق من 1.3 مليون برميل يومياً حتى فبراير.

وبالرغم من تراجع العرض، بقيت السوق العالمية قريبة من التوازن، ومن المحتمل أن تشهد عجزاً نسبياً صغيراً في العرض خلال الأشهر القليلة القادمة. وبالرغم من دعم السوق، من شأن مثل هذه التوجهات إثارة معضلة أوبك المعتادة والمتمثلة في حاجتها لإطالة أمد تخفيض الإنتاج تجنّباً لأي تأثيرات أسعار سلبية ناجمة عن الارتفاع المستمر في إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك. ومع ذلك، قد لا يكون التوسع ضرورياً في حال قررت الإدارة الأمريكية عدم تمديد بعض التنازلات إلى ما بعد تواريخ انتهاء مفعولها الحالي.

وتعثّرت خطى خام برنت يوم الجمعة مع الاقتراب من نطاق مقاومة يتراوح بين 68 - 70 دولار للبرميل، مما يشير إلى دنوّ توقف مؤقت في توجه الارتفاع بأسواق النفط. ويتمثل مستوى المقاومة في خام غرب تكساس الوسيط بالمجال النفسي الرئيسي عند 60 دولاراً للبرميل.

وشهد العديد من تجار الذهب حالة من الإرهاق والحيرة فيما يتعلق بتوجه أسعار الذهب والفضة على المدى القصير، جرّاء التقلبات التي شهدتها الأسواق طيلة عدة أسابيع. وعلقت صناديق التحوّط في دوّامة من المراكز المتقلّبة رداً على محاولات الاختراق الفاشلة للذهب، حيث ارتفعت أسعار الأونصة أولاً فوق 1350 دولار قبل أن تهوي نحو 1275 دولار. وفي الآونة الأخيرة، خففت قوة سوق الأسهم والدولار من حجم تركيزها على الأصول الآمنة مثل الذهب، بينما واصلت الأسس المتشددة في توجيه أسعار البالاديوم نحو مستويات قياسية جديدة.

ومع الضغوطات المتجددة لعمليات شراء الدولار، عثر الذهب في الأسبوع الماضي على ما بدا أنه طلب ضعيف. وبعد أن وصل سعرها إلى 1311 دولار، تراجع سعر أونصة الذهب بنحو 20 دولار قبل أن يعود فوق 1300 دولار. وبالرغم من التوجه التصاعدي المستمر لأسعار الذهب، إلا أن توقعاتنا على المدى القريب ستواجه عدة تحديات. واستند ذلك إلى الاعتقاد بتوجّه العديد من المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن، عندما تخضع أصول أخرى مثل الأسهم للتحديات.

وبناء عليه، ولمواصلة الارتفاع بشكل جدي، من الضروري وجود أسعار مستقرة أو منخفضة للدولار مع ضعف متجدد لأسواق الأسهم.

كما تواجه التوقعات الفنية على المدى القصير تحدياً مع ظهور عَلم الأسواق الهابطة على الرسم البياني اليومي. ومن شأن تراجع أسعار الأونصة إلى ما دون 1295 دولار زيادة مستوى خطر التوجه الفني نحو 1245 دولار للأونصة، وهو المتوسط الحسابي المتحرك على مدى 200 يوم. وتتمثل ردة فعل السوق على مثل هذا التراجع في منحنا مؤشرات أكثر وضوحاً حول ما إذا كان الطلب المادي الأساسي سيمتلك القوة الكافية لدعم ومنع هذه الانتكاسة.

إقرأ أيضا