كيف تساهم المدن الذكية في تطوير أفضل الخدمات للمواطنين ؟

الخميس 13 يونيو 2019
كاسبر هيرزبرج

بقلم: كاسبر هيرزبرج رئيس شركة شنايدر إلكتريك لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا

من المتوقع أن يتصدر سوق المدن الذكية العالمي 2.6 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2025، وفقًا لتقرير صدر حديثًا عن شركة "جراند فيو ريسيرتش". وتعد المدن الذكية أساساً لعالم إنترنت الأشياء ، حيث تضاعف عدد الأشياء، أو التكنولوجيا، المرتبطة في العالم والذي من المتوقع أن يتضاعف من 11 مليار في عام 2018 إلى 20 مليار بحلول عام 2020 ، وفقًا لما ذكرته شركة غارتنر.

في العام الماضي ، أعلنت شركة شنايدر إلكتريك قبيل انطلاق فعاليات قمة مدن المستقبل في العالم العربي التي استضافتها دبي أن معدل إنفاق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبشكل خاص دول الخليج، يتصدر حجم السوق العالمية للمدن الذكية التي تبلغ قيمتها 2.6 مليار دولار.

من المتوقع أن تصل الاستثمارات في التقنيات التي تمكّن المدن الذكية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا إلى 2.30 مليار دولار بحلول عام 2021 ، وفقًا لتقديرات شركة البيانات الدولية العالمية IDC ومن المقرر أن يصل هذا الرقم إلى 2.7 مليار دولار في عام 2022.

وبهذا، لم يعد أمام أي مدينة قائمة، ناهيك عن أي مدينة مستحدثة خيار في عدم الاستفادة من أرقى خدمات المدينة الرقمية في جميع القطاعات. فجميع المدن تخوض اليوم معركة عالمية لاستقطاب أفضل المتخصصين والمواهب، وتنجح المدن الذكية في اجتذابهم والاحتفاظ بهم، فتعمل تلك المواهب على قيادة الابتكار، وهذا عامل محوري شديد الأهمية في استدامة المدينة وتطورها في المستقبل.

حينما أنشأت الهند ولاية تشهاتيسجاره الجديدة في العام 2000 كان لا بد لها من عاصمة جديدة، ولهذا رسمت الجهات الحكومية المعنية خطة تطوير مدينة نايا رايبور2031 لتصبح إحدى أكثر المدن الخضراء تقدمًا وتكاملًا وقوة اقتصادية في العالم.

وفي إطار «مهمة تطوير المدن الذكية» التي تنفذها الحكومة الهندية على أعلى مستوى للارتقاء بالمدن القائمة وتطوير مدن جديدة، يربط مركز القيادة والتحكم في مدينة نايا رايبور بين أكثر من مئة ألف أداة متصلة موزعة في نظم إدارة الطاقة وشبكات المياه والمراقبة بالفيديو وإدارة المباني وتطبيقات خدمة المواطنين.

لكن لماذا يمثل إنشاء المدن الذكية في مواقع جديدة غير مأهولة أمرًا جذابًا جدًا؟ يعود ذلك بصورة رئيسة إلى أنها ليست مثقلة بالنظم القديمة والسياسات القديمة وهذه ميزة كبرى تتيح الانطلاق من أرضية نظيفة خالية من المشكلات الموروثة.

إلا أن ميزة الانطلاق من بداية جديدة قد تنقلب إلى عبء يعوق التقدم إن لم تكن لدينا المعرفة والمعلومات الكافية لتحديد نقطة البداية المناسبة. فالمبالغ المخصصة للاستثمار الأولي ينبغي ألا تتجاوز عتبة معينة مرهقة، إلا أنها من جهة أخرى يجب أن تكون كافية لاجتذاب الشركات المؤسسة وأوائل السكان بما يحقق كتلة حرجة قادرة على النمو المستدام. ولهذا ينبغي للمدينة الذكية الجديدة أن تركز على وظيفة نموذجها الاقتصادي وتوجه استثماراتها نحو إقناع الشركات والسكان بهذا النموذج ما يجعلهم يفضلون هذه المدينة الجديدة على الخيارات الأخرى المتاحة أمامهم.

البنية التحتية يجب أن تلبي احتياجات المواطنين

أصبحت الرقمنة الاتجاه السائد حاليًا، وأصبحنا نرى المدن تطرح تطبيقات الهاتف النقال لكل شيء وأي شيء، ولا نبالغ إن قلنا أن المدن متعطشة اليوم لتبني التقنيات الحديثة، فنجدها تتصدر الريادة في تجربة المشاريع المبتكرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين مثلًا، إلا أن هذا يحمل في طياته خطرًا محتملًا على عملية التحول الكامل.

فعلى الرغم من أن تبني التقنية محور مهم في تقدم المدن ونموها، إلا أن المدن التي تتبنى استخدام التقنية من أجل التقنية وحدها قد تغفل عن أن إنشاء البنية التحتية المادية الأساسية واستخدام التقنية التشغيلية يجب أن يكون هدفها دعم النموذج الاقتصادي للمدينة.

البنية التحتية المصممة خصيصًا كي تناسب نموذج المدينة الجديدة الاقتصادي تمثل سببًا مقنعًا للشركات للانتقال إليها بهدف تسريع نموها وتعزيز إنتاجيتها. إلا أن بعض المدن قد تصل في المحصّلة إلى بنية تحتية غير مناسبة تتسم بالتسرع. لكن مهما كانت الحال، فإن تحسين البنية التحتية يتم عبر الاعتماد على التقنيات التشغيلية التي تؤتمت كل وظيفة في المباني والمرافق. وبهذا تصبح إدارة المدينة أسهل وأكثر كفاءة وأمانًا من المدينة القديمة المشابهة له، وهو ما يشكل عامل جذب  قوي يدعو الشركات والسكان للانتقال إليها.

المنصات الرقمية المفتوحة تؤمن مستقبل المدن الذكية

على الرغم من أن توقع المستقبل بدقة أمر غير ممكن، إلا أن المدينة يجب أن  تكون مرنة وقادرة على التكيف سريعًا كي تبقى مستعدة للمستقبل ومتطلباته المتغيرة باستمرار. وتتيح مراقبة المدينة في الوقت اللحظي الحصول على المعلومات الدقيقة عن العوامل الأساسية المؤثرة في المدينة،  بدءًا من حركة السكان والمركبات إلى التحولات في استخدام المرافق العامة من ماء وكهرباء وحوادث انقطاعها وتغيرات مستوى الأمن والسلامة. وتتيح تلك المعلومات الملتقطة لحظيًا للسلطات المعنية في المدينة أن تتعلم باستمرار وتتكيف وتغير وتراقب مرة أخرى كي تعمل على ضبط الأجراءات بهدف تحقيق المعايير المطلوبة.

ولتحقيق ذلك على المدينة اختيار المنصة التي تقدم لها تلك المعلومات الآنية وتوفر لها في الوقت ذاته نماذج تنبؤية ووظائف لإدارة المعرفة، فضلًا عن القدرة على التفاعل بسهولة وتبادل المعلومات مع الأنظمة الأخرى مثل نظم إدارة الأصول ونظم المعلومات الجغرافية. ويجب تتيح للمشغلين المتنقلين الوصول إلى الأنظمة من الأجهزة النقالة.

ولهذا فإن اختيار منصات النظام المفتوح يسهل التكامل مع أفضل الحلول دون بذل جهود مضنية. ويضاف إلى ذلك أن النظم المفتوحة تسهّل أيضًا اعتماد أحدث التقنيات لاحقًا، بدءًا من الذكاء الاصطناعي إلى البلوكتشين، ما يمكّن المدينة من مواصلة التطور والازدهار دون أن تذوي بمرور الوقت. وتتيح المنصة المفتوحة للمدينة أن تراقب باستمرار مستوى أدائها بالمقارنة مع مؤشرات الأداء الرئيسة المستهدفة. فعندما تجد المدينة أنها لا تتحقق الأهداف المطلوبة، فإن بإمكانها تعديل خططها ومراقبة تأثير ذلك آنيًا لتعرف إن كانت تسير في الاتجاه الصحيح.

يتوقع أن يبلغ سوق المدن الذكية عالميًا نحوي تريليوني دولار بحلول العام 2025 ، ما يعني أن المدن الذكية زاخرة بآفاق واسعة ستطل علينا في المستقبل القريب، ويشمل ذلك النقل الجماعي القائم على المركبات ذاتية القيادة ونظم الهايبرلوب، والشبكات الذكية الصغيرة التي تولد الطاقة وتعيدها إلى شركات توليد الطاقة الكهربائية، وتطوير أنظمة إدارة قادرة على تلبية احتياجات السكان بطريقة مثلى بل وحتى توقعها. ويتطلب تحقيق ذلك أن تحرص الجهات المعنية في المدن الذكية على منحها بنية تحتية تقنية قادرة على الجمع بين التقنيات التشغيلية وتقنية المعلومات لتحقيق أفضل المنافع المرجوة.

إقرأ أيضا