التعلم الآلي: التكنولوجيا التي ستصبح أكثر أهمية وتأثيراً منذ نشأة الإنترنت

الخميس 01 فبراير 2018
عبد الرحمن الذهيبان

بقلم: عبد الرحمن الذهيبان، نائب رئيس أول للتكنولوجيا لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في Oracle

سيكون التعلم الآلي بمثابة التكنولوجيا التي تشكل العنوان الأبرز للعام 2018، لا سيما من خلال ما سيحدثه من تغيير حاسم في أسلوب حياتنا ونمط عملنا، بما يفوق تأثير أي تكنولوجيا أخرى منذ نشأة الإنترنت.  

ولتفهّم السبب في ذلك، علينا أولا أن نلقي نظرة على العناوين المثيرة التي نشرت في الماضي حول تسبب الإنسان الآلي في فقدان الناس لوظائفهم.  ومما لا شك فيه أن الابتكار واستخدام الأدوات التي تجعل حياتنا أكثر سهولة كانت السمة الأبرز للتطور عبر التاريخ، سواء من خلال الثورات الزراعية أو الصناعية. ونحن اليوم نعيش في عصر ثورة البيانات ولانزال نتقدم نحو الأمام، ومن البديهي أن يطرأ هناك تغير على بعض الأدوار التي نؤديها، غير أن التطور لطالما كان القوة الدافعة وراء خلق وظائف وأنماط أعمال جديدة، بل وقطاعات مهنية جديدة كلياً. ولمواكبة أحدث التطورات المستجدة من حولنا ولكي نبقى في دائرة المنافسة، علينا أن ندرك بأن التعلم الآلي سيساهم في تعزيز كفاءة الكوادر البشرية ويجعلنا أكثر فاعلية وإنتاجية.

لقد أصبح التعلم الآلي يحيط بنا في كل مكان، فهو مدمج في البرامج المثبتة على هواتفنا وسياراتنا ومنازلنا وحتى في البرامج التي نستخدمها في العمل، وهو ما سيساعدنا في الوصول إلى المعلومات واتخاذ قرارات أفضل وأكثر دراية وبسرعة أكبر.

وبحسب جارتنر، ستدخل تكنولوجيات الذكاء الإصطناعي كمكوّن أساسي في كل برمجية جديدة تقريباً بحلول العام 2020، مما سيجعل من هذا تطوراً هائلاً بالنسبة لبائعي البرامج، وتحولاً حاسماً بالنسبة للشركات التي تتعامل معهم.

ومن المتوقع كذلك أن يعتمد رؤساء وسائل الإعلام، في إطار أداء مهامهم، على الإنسان الآلي والسيارات من دون سائق، وهي تكنولوجيات ستكون بالتأكيد محور التطوير الرئيسي على مدى السنوات القادمة، غير أن التعلم الآلي في وقتنا الراهن يحدث تغييراً جذرياً للعالم من حولنا بطرق مذهلة وغير مسبوقة. إن قدرة التعلم الآلي على تحسين كفاءة عملية صنع القرار لدينا قد تبدو أقل جذباً للانتباه بالمقارنة مع تكنولوجيا السيارات من دون سائق، ولكنها هي ذاتها التي ستجعل التعلم الآلي بمثابة التكنولوجيا التي سترسم ملامح الحقبة المقبلة.

إن المؤسسات التي تسعى للاستفادة من قدرات التعلم الآلي ستحقق قفزات نمو متسارعة تجعلها في الصدارة، نظراً لسرعة وكفاءة عملية صنع القرار المطورة التي تدعمها. ليس بوسع أي شركة اليوم التباطؤ في مواكبة المستجدات أو الانتظار، وفي حال حدوث ذلك فسيكون من المتعذر عليها اللحاق بمنافسيها.  

يشهد الإقبال على تبني التعلم الآلي نمواً متزايداً في موازاة نمو الحوسبة السحابية. ويعود ذلك إلى أن التكامل السلس لتطبيقات ومنصات السحابة وبنيتها التحتية يشكل عاملاً مهماً لنمو وكفاءة التعلم الآلي؛ فهي ترفد التعلم الآلي من خلال الانفتاح على مصادر أكبر من البيانات، مما يقلص الحاجة للمزيد من بيئات التخزين ويتيح الاستفادة من البيانات الواردة من سائر أنحاء المؤسسات وشبكاتها.

إن محاولة طرح مفهوم التعلم الآلي على نطاق ضيق داخل المؤسسة هو كمن يحاول أن يزرع نبتة في الظلام. فالخوارزميات التي يقوم عليها التعلم الآلي تحتاج إلى أكبر قدر من البيانات المستخلصة من أكبر عدد ممكن من المصادر المتاحة. وكلما يتم تغذية تلك الخوارزميات بهذه البيانات كلما ارتفع مستوى ذكائها وزادت قدرتها على تحسين كفاءة اتخاذ القرار.

إن النضج المتنامي تجاه تكنولوجيات السحابة وتزايد استخدامها على نطاق واسع يضاف إلى جملة الأسباب التي تجعل من 2018 العام الذي سيتميز بالتركيز على هذا الجانب الرائع والمتمثل في التعلم الآلي. تعد السحابة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية تكنولوجيا المعلومات لكل شركة تقريبا، وهي تشكل القوة الدافعة للتحول الرقمي فيها وتحفيز قدرتها على الاستفادة من قيمة بياناتها.

وإذا كانت البيانات الكبيرة قد وعدتنا بالكثير من المنافع المرتقبة في التحول الرقمي، والسحابة قد قدمت لنا القواعد الأساسية للانطلاق نحو التحول الرقمي، فإن التعلم الآلي يعد الأداة الصناعية الأولى في كشف النقاب عن تلك المنافع وتسخيرها على نطاق واسع.

إن وضع استراتيجية في هذا الشأن يعد أمراً مهماً وحاسماً. ولتحقيق أقصى استفادة من التعلم الآلي، لا بد من البحث عن التطبيقات التي تتيح قيمة استراتيجية على المدى الطويل، بحيث تحدث تحولاً جذرياً في وحدات الأعمال أو العمليات الرئيسية داخل الشركة، بدلاً من تحقيق "نجاح مدو" على المدى القصير.

إن تقليل الوقت المستغرق في التوصل إلى توقعات دقيقة وموثوقة، قد يكون له تأثير كبير على قدرة الشركة على التخطيط والميزانية والموارد، بل إن هذه الأمور مجتمعة سيكون لها مردود مادي كبير بالنسبة لأي شركة.

تتمثل منافع التعلم الآلي القيّمة في خيارات استخداماته اللامحدودة تقريباً. فحيثما تكون هناك قيمة من التحليل السريع للبيانات واستخلاص تصور معين من خلالها نجد بأن له دوراً يؤديه. وقد يكون للتعلم الآلي تأثير حاسم في الحالات التي تتطلب تحديد الاتجاهات أو الاختلالات في مجموعات البيانات الضخمة، وذلك بدءاً من الفحوص الطبية وصولاً إلى الامتثال والأمن.

إن التعلم الآلي الآن، يحدث نقلة نوعية في عالم خدمة العملاء.

في معظم قطاعات الأعمال التي تتطلب بطبيعتها التفاعل المباشر مع العملاء، يتم تلقي عدد كبير من الاستفسارات التي تندرج ضمن فئات محدودة، وغالباً ما يكون من السهل توقع والرد على الكثير منها باستخدام روبوتات الدردشة أو المدعومة بالتعلم الآلي الذي يقوم بتحسين والحفاظ على قدرتها للرد على استفسارات العملاء بدقة عالية. وهذا يقلل من أوقات الانتظار وحالات التذمر بين العملاء ويجعل الشركات أكثر كفاءة. كما أنه يفسح مجالا أوسع لموظفي خدمة العملاء للتركيز على حل عدد محدود من الشكاوى التي لها خصوصية معينة وتتطلب تدخل الموظفين.

إن هذا المثال الأخير ربما يكون الأكثر وضوحاً من حيث قدرة تكنولوجيا التعلم الآلي على تطوير الطرق التي يتبعها الأفراد لإنجاز أعمالهم. وهو لن يلغي الحاجة إلى الموظفين، ولكنه من الممكن أن يساهم بالتأكيد في تحسين كفاءتهم لإنجاز مهامهم بشكل أفضل.

وإذا كان هناك مخاطر مقترنة بالتعلم الآلي، فستكون حتماً في تجاهله. ومن أبرز ما سيميز العام  2018، هو التزام الشركات باستكشاف آفاق التعلم الآلي وإطلاق العنان لإمكاناته وتحقيق أقصى استفادة منه، هذا إن لم تكن قد فعلت ذلك من قبل.

إقرأ أيضا

Search form

أخبار مرتبطة