بناء ولاء العملاء في العصر الرقميّ

الثلاثاء 26 فبراير 2019
سانجيت جيل

بقلم سانجيت جيل، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط في شركة "كولينسون" Collinson، وهي شركة عالمية رائدة في مجال مزايا وبرامج ولاء العملاء.

لا يزال الارتفاع المستمرّ في عدد المواقع التجارية الإلكترونية المحلية التي تقدّم منتجات ذات أسعار تنافسية عالية مع خدمات التوصيل السريع للمنازل يزيد من الضغط على قطاع التجزئة بشكل عام. فقد توسّعت شركة أمازون، على سبيل المثال، بفضل نفقاتها العامة المنخفضة وخدمات التوزيع المبسّطة، لتتحوّل إلى سوق عالمية على حساب العديد من تجّار التجزئة التقليديين. وقد أدّى ذلك إلى وصف العديد منهم بأنه "قاتل التجزئة". ومع ذلك، فالواقع هو أكثر دقّة إلى حدّ ما.

لكن ما يريده المستهلكون – وقد يكون الأمر الذي لطالما رغبوا به - هو أدنى سعر يمكن أن يدفعوه مقابل الغرض الذين يعتزمون شراءه. وفي حين أن المسألة لا تحتاج إلى الكثير من النباهة، إلا أنه منذ اكتسبت التجارة الإلكترونية العالمية زخماً متصاعداً في السنوات الخمس إلى العشر الماضية، فقد أصبحت خدمة الزبائن بالأسلوب ذاته أكثر فاعلية بالنسبة إلى تجّار التجزئة.

يعدّ سوق دوت كوم، المملوك من شركة أمازون، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في العالم العربي. وهذا النجاح هو انعكاس لقطاع التجزئة المتغيّر، وليس مجرّد قصّة نجاح عشوائية لعلامة تجارية بحدّ ذاتها. حيث تمثل عروض تنزيلات يوم الجمعة الأبيض، أكبر حدث للتسوّق عبر الإنترنت في المنطقة، وخلاله يتاح للعملاء في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي ومصر الاختيار من بين أكثر من مليوني صفقة وعرض، والاستمتاع بخصومات تصل إلى 70٪. مخصّصة للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، وتزويد العملاء بمنتجاتهم وعلاماتهم التجارية المفضّلة بأسعار ممتازة. وكانت الشركة قد أرست في السنوات الأخيرة معيار التسعير في هذا القطاع برمّته، ومعايير سهولة عملية البيع الإلكتروني المتكاملة مع تجارب العملاء، محدّدة بالتالي معايير أفضل الممارسات لقطاع البيع بالتجزئة في المنطقة.

وعلى الرغم من أن سوق دوت كوم، باعتباره ذراع الأمازون في منطقة الشرق الأوسط، لا يزال في صدارة المنافسة، إلا أن اللاعب البارز noon.com بدأ يرتقي إلى مستوى الصدارة الإقليمية في ما يتعلق التجارة الإلكترونية. وكانت الشركة قد أطلقت قبل عام عملياتها في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لمنح المتسوقين أفضل ما يمكن أن تقدّمه التجارة الإلكترونية. وباعتبارها منصّة التجارة الإلكترونية العربية الأولى التي تركّز على العملاء ، فقد شهدت العام الماضي نمواً لتصبح اسمًا مألوفًا للتسوّق عبر الإنترنت في المنطقة.

حُسن استخدام بيانات العملاء

إن ما يجدر تعلّمه من نجاح تلك الأسماء البارزة في مجال التجارة الإلكترونية هو أنه من أجل التنافس في بيئة البيع بالتجزئة اليوم ، يجب أن يكون تسويق العلامة التجارية والتواصل مع العملاء مثاليين بغية إقناع العملاء بالتسوّق على موقعك بدلاً من التوجّه إلى قادة السوق. وقد توصلنا في بحث أجريناه مع  Censuswide إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع (78٪) المستهلكين في الإمارات لن يكونوا سعداء إذا كانت علامات التجزئة التي كانوا موالين لها، ضعيفة في تواصلها معهم في ما يتعلّق بأحدث العروض والخصومات.

ومن هنا نجد أنه فقط من خلال تقديم المستوى نفسه - أو حتى مستوى أفضل في خدمة العملاء والتركيز على مصلحتهم – سوف يتمكّن تجار التجزئة من ذوي العلامات التجارية الأقلّ رسوخاً، من الفوز بتقدير العملاء. وإلا، فما الذي يمنعهم من التسوّق لدى منافس يقدّم خدمة أفضل؟ ففي نهاية المطاف، يجب أن يكون لدى العلامات التجارية فهم  صحيح حول كيفية التعامل مع عملائها بشكل صحيح، ويبدأ ذلك بالبيانات.

إن إدراج القانون العام لحماية البيانات في جميع أنحاء أوروبا، وبعض الحالات المتعلقة بسوء استخدام بيانات العملاء التي برزت عالمياً، دفعت بالشركات في جميع أنحاء العالم لأن تكون أكثر حرصاً على استخدام معلومات العملاء بشكل مسؤول. العملاء بدورهم يدركون هذا الأمر أيضًا. فهم لا يتوقعون أن يتم التعامل مع بياناتهم بطريقة آمنة وجديرة بالثقة وحسب، بل يسعون في المقام الأول إلى فهم الفائدة والقيمة التي سيحصلون عليها مقابل مشاركة بياناتهم. ومع ذلك ، قال 55٪ من المستهلكين الإماراتيين إنهم يتلقون عروضاً ترويجية لا تعنيهم ولا تناسبهم على الإطلاق. وهنا نجد أن العلامات التجارية لديها واجب الحرص على تقديم خدمات تواصل أفضل وأكثر خصوصية لعملائها من خلال بياناتهم المدرجة لديها، وإلا فإنها ستواجه عدم القبول وفقدان الاهتمام من جهتهم، وربما تفقد ولاءهم أيضاً على المدى الطويل.

تعدّد القنوات هو أساس كلّ شيء

يقوم المستهلكون بالتسوّق وشراء المنتجات داخل المتجر وعلى الإنترنت على حدّ سواء، ما يجعلهم يسجّلون البيانات عند كلّ نقطة اتّصال خلال رحلة التصفّح والشراء. هذه البيانات تصبح متوافرة لدى تجّار التجزئة ليقوموا باستخدامها، شرط أن يتمّ تجميعها ضمن ملامح محدّدة للعميل النموذجي. فإذا تمّ استخدامها بشكل فعّال، يمكن لهذه الملامح الخاصة بالعميل النموذجي لعلامتك التجارية، أن تساعدك في تحديد شريحة عملائك ومعرفة ما يريدون. أما إذا ما اختارت العلامات التجارية تجاهل تلك البيانات، فإنها ستخسر الفرصة في تحقيق التقدّم على غيرها من المنافسين.

ومن النتائج التي أسفر عنها بحثنا أن 81٪ من المستهلكين في الإمارات يشعرون بالإحباط عندما لا تتماشى العروض الترويجية التي تقدّمها العلامة التجارية في متجرها مع تلك المعروضة على موقعها الإلكتروني. ذلك أن عدم استخدام البيانات المتاحة على نحو فعّال يمكن أن يجعل العملاء يشعرون بعدم الاهتمام بمصلحتهم، وكأن خدمتهم ليست على قائمة الأولويات.

وفي هذا السياق مثال آخر على الدور الكبير الذي قامت به أمازون في مجال حسن استخدام بيانات العملاء لدى كل فرصة متاحة لمنحهم أفضل تجربة تسوّق ممكنة. فتجّار التجزئة الذين يركزّون على المبيعات قصيرة الأجل لكسب عائدات سريعة، بدلاً من اعتماد استراتيجية طويلة الأجل تركّز على العملاء، سيفقدون عملاءهم الأوفياء الذين لن يلبثوا أن ينسحبوا بسبب الفوضى وعدم التنسيق في التسويق والاتصالات حتى ولو كان الأمر يتعلّق بواحدة من علاماتهم التجارية المفضّلة.

لا تستبعد برامج الولاء مدفوعة الثمن

إن عالم الولاء المتطوّر يفرض على العلامات التجارية التكيّف باستمرار والبحث عن طرق لتلبية احتياجات عملائها. وفي هذا المجال، ثمة جانب واحد يستحق النظر فيه، ألا وهو هو برنامج الاشتراك مدفوع الأجر، والذي يمكن أن يدعم أهداف الولاء والإيرادات الإضافية للمؤسسة. وقد ثبت أنه تكتيك ناجح في كلّ من قطاعي التجزئة والسفر، وفي الواقع، لطالما استند بعض أقدم البرامج في مجال السفر إلى العملاء الذين يدفعون رسوم العضوية.

وتوضح خدمة أمازون برايم كيفية نجاح هذه الاستراتيجية مع العلامات التجارية في قطاع البيع بالتجزئة، بعد أن بنت الفوائد والمكافآت على عرض أولوية التسليم. فمع تركيزها على مبدأ المكافأة الفورية وأولوية الخدمة، أصبحت أمازون قادرة على التفاعل مع شريحة معيّنة من المستهلكين، ما ساعد على بناء قاعدة أوسع من العملاء. وعلى المنوال ذاته، أصبح اقتصاد الاشتراك ، الذي يسمح للمستهلكين بالدفع مقابل سلع أو خدمات على أساس شهري، يتمتع بشعبية متزايدة. وهذا يتيح للعلامات التجارية فرصة لمنح العملاء تجربة أكثر تخصيصًا، ويمكّنهم بالتالي من استعمالها قاعدة لبناء معلومات أكثر تفصيلاً عن كل فرد من عملائهم.

تعلّم من السبّاقين، ولا تكن ديناصوراً

المثال الذي وضعته "أمازون" قد علّم العلامات التجارية في جميع أنحاء العالم فائدة تقييم ما يريده العملاء ، ثم تحديد كيفية تقديمه بشكل أفضل من المنافسين. وعلى هذا المستوى العالي في قطاع التجزئة، فإن العلامات التجارية التي تأمل في الاعتماد على قوة منتجها أو شهرتها بين المستهلكين، ستجد نفسها في نهاية المطاف وقد تأخرت عن المشاركة في السباق، وذلك بعد أن يجتذب المنافسون العملاء الجدد والحاليين.

وخلاصة القول إنه فقط من خلال التحليل الدقيق لما يجعل عملاءك يحددون اختياراتهم، ولاحتياجاتهم وتفضيلاتهم، ستتمكن العلامات التجارية المنافِسة لأمثال "أمازون" من الاستمرار في عالم التجزئة المتطوّر. صحيح أن الأمازون هي "قاتلة البيع بالتجزئة" – ولكن ذلك ينطبق فقط على أصحاب العلامات التجارية الذين يسعون إلى الحصول على القيمة السريعة وتحقيق المبيعات على المدى القصير من دون التفكير في بناء علاقات أعمق وأكثر أهمية بين العملاء والعلامة التجارية.

إقرأ أيضا

Search form