تعزيز مرونة الشركات لمواجهة غموض المشهد الاقتصادي

الأربعاء 03 أبريل 2019
محمد باقر

بقلم: محمد باقر، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في جلف ماركيتنج جروب

تشهد منطقة الخليج، على غرار باقي أرجاء العالم، حالة غير معهودة من الغموض الاقتصادي. وقد حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي بالفعل بأنه على الشركات في شتى أنحاء العالم مواجهة الانخفاض المتوقع في النمو التجاري. وفي سياق آخر، اجتمع نخبة من قادة العالم في دبي مطلع ربيع هذا العام في فعاليات القمة العالمية للحكومات لمناقشة التوترات المحدقة بالتجارة العالمية، وقضايا التشديد المالي، وتباطؤ النمو الاقتصادي في دول مثل الصين والهند، وجميع الظروف التي تعكّر صفو الوضع الاقتصادي والتي من شأنها أن تدفع الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي إلى اتخاذ إجراءات الحيطة والحذر على صعيد توقعاتها التجارية.

وفي الوقت الذي تنذر فيه هذه التوقعات بانتشار حالة من التشاؤم، لا تزال الفرصة قائمة أمام الشركات القادرة على التحلّي بالمرونة التجارية الضرورية في عصر الريب والحيرة. فلاشك أن تأسيس شركة جديدة وترسيخ سمعتها هو أمرٌ رائع يستحق العناء، ويحتاج من الوقت والجهد الكثير، علاوة على التكلفة المالية أيضاً. وبالرغم من أن الحفاظ على قوّة الشركة في عصر الغموض الاقتصادي ليس أمراً سهلاً، إلا أنه ليس مستحيلاً كذلك، ويكون عبر خوض التحديات والاستفادة بأكبر قدر ممكن من البيئة الاقتصادية الديناميكية. وبالمجمل، يجب علينا منع حالة الغموض الراهنة من كبح جماح النمو والابتكار.

إذاً، يكمن الحل في "المرونة". فهذا هو الوقت المناسب لنتذكر أن مدى قدرتنا على استيعاب الأسواق ومواكبة متغيراتها وتوقع تحدياتها هو جوهر نجاح الأعمال. وعلى نفس المنوال، أفاد استطلاع أجرته مؤخراً شركة "فوربس إنسايتس" بأن 87% من المشاركين أقرّوا بأنهم يرون في الرئيس التنفيذي هو المحفز الأبرز لمرونة المؤسسة.

أما بالتطرق إلى هذه المنطقة التي تشهد وتيرة تغير متسارعة، فلا يوجد مكان للشركات الخاملة التي تفتقر إلى المرونة، فحتى بعد مرور عقود على تأسيسها ستجد الخسائر محيطة بها من كل حدب وصوب. وفي المقابل، فإن الشركة المرنة، هي تلك التي تدرك قيمة التحديث المستمر، لا سيما على مستوى تجربة العملاء. فإذا وضعتم تجربة العملاء كعنصر جوهري في شركتكم، ستجنون بشكل طبيعي ثمار هذه المنهجية المبتكرة وستبدؤون بتبني تقنيات جديدة تقدم للعملاء الخدمة التي يستحقونها، وتمكنكم من تصميم خدماتكم وعروضكم خصيصاً لتلبي خياراتهم المتغيرة. وتلك التقنيات التي ستكون بمثابة شريك لكم ستمنحكم القدرة على رفد العملاء بالقيمة التي تتخطى توقعاتهم، أكثر مما يمكنكم القيام به بمفردكم.

ولا تقتصر مزايا المرونة على ما ذكرناه آنفاً، بل تمنح الشركات القدرة على اتخاذ قرارات سريعة. وهذه ميزة تمتلكها الشركات الصغيرة والمتوسطة في الغالب أكثر من المؤسسات الأكبر حجماً. فامتلاك القدرة على إطلاق حلول جديدة ومنتجات وخدمات مبتكرة تلبي احتياجات العملاء، وتمتلك القدرة على الارتقاء بالمجتمعات المحلية إلى آفاق أكثر رحابة، هو سر استمرارية الشركة حتى في عصر الغموض الاقتصادي. لكن ذلك لا يعني أن الشركات الكبيرة غير قادرة على الابتكار. بل على العكس من ذلك، يجب عليها الاستمرار بالتفكير في عملياتها وتعزيز انسيابيتها واتخاذ إجراءات سريعة لامتلاك زمام القدرة على الاستجابة المباشرة.

وفي هذا السياق، يجب إدراك أن الاستجابة وكفاءة الشركات أمران مختلفان ولكنهما متكاملان. فكفاءة الشركة تعني قدرتها على تقديم أفضل المنتجات بأسلوب فائق الكفاءة، في حين أن الاستجابة تعني فهم احتياجات العملاء والقدرة على تلبيتها. وكلا العاملان أساسيان لتعزيز مرونة الشركة.

وعلاوة على ذلك، قد يكون من الحكمة في حالة عدم الاستقرار السائدة أن تتجنب الشركات وضع جلّ تركيزها على مجال دون الآخر. وليس على صعيد الاستثمارات فحسب، بل على مستوى الحملات التسويقية، أو مبادرات المبيعات، أو ساعات العمل، وتنويع الفرص لتحقيق النجاح عبر مختلف السبل الممكنة. وبدلاً من الاستثمار في مجالات غير مرتبطة بتخصص أعمال الشركة، يجب التركيز على المجالات المتخصصة فيها. ويمكن أن يشمل ذلك إعادة التفكير في قيم العلامة التجارية، ودرجة البيروقراطية في اتخاذ القرارات التنظيمية، والطريقة التي يتعاون بها الموظفون داخل المؤسسة.

إن التخطيط الحسن لمواكبة العالم المتغير والتطور بتطوره يمنح الشركات في منطقة الخليج التي تضع المرونة المؤسسية في نطاق أولوياتها القدرة على النجاح، حتى في خضم حالة الغموض الاقتصادي السائدة اليوم.

إقرأ أيضا

Search form